·

 · قراءة في 6 دقائق

ماذا تكشف سيارات الأجرة ذاتية القيادة والمكاتب الحكومية اللاورقية عن رهان دبي على المدينة الذكية

ماذا تكشف سيارات الأجرة ذاتية القيادة والمكاتب الحكومية اللاورقية عن رهان دبي على المدينة الذكية

يستقل أحد الركاب سيارة أجرة في أبوظبي، ويفتح تطبيقاً لطلب السيارات، ويراقب مقعد السائق وهو يظل فارغاً طوال الرحلة. وعلى بُعد بضعة كيلومترات، يقوم مقيم بتجديد رخصة تجارية عبر مسح ضوئي بكاميرا الهاتف، دون طباعة نموذج واحد. لم يعد أي من هذين المشهدين يتصدر عناوين الأخبار اليوم. وهذا هو المقياس الحقيقي للمدى الذي بلغه برنامج المدن الذكية في الإمارات العربية المتحدة: حيث أصبحت الأجزاء الأكثر غرابة فيه مجرد روتين يومي.

سيارة الأجرة التي تقود نفسها

لم تظهر خدمات طلب السيارات ذاتية القيادة في الإمارات العربية المتحدة كمجرد مقطع فيديو تجريبي أو وعد في مؤتمر صحفي؛ بل وصلت كخدمة فعلية يمكن لأي مقيم طلبها عبر الهاتف في مناطق محددة من أبوظبي، حيث تُسيَّر الرحلات من خلال شراكات تجارية بين هيئات النقل المحلية ومشغلي القيادة الذاتية. لا يزال هناك مراقب للسلامة يرافق العديد من الرحلات، ولا تزال المسارات مقتصرة على مناطق ممسوحة جغرافياً بدلاً من المدينة بأكملها. لكن التجربة الأساسية المتمثلة في سيارة تشق طريقها وسط حركة المرور الحية، وتقرأ الإشارات، وتفسح المجال للمشاة، دون وجود شخص يتولى عجلة القيادة، لم تعد مجرد عرض تجريبي. بل أصبحت رحلة يمكن حجزها.

وقد سلكت دبي مسارها الموازي الخاص. إذ اختبرت هيئة الطرق والمواصلات مركبات ذاتية القيادة في شوارع حقيقية، وأعلنت عن طموحها في تحويل حصة كبيرة من الرحلات اليومية إلى النقل الذاتي خلال هذا العقد، ليشمل سيارات الأجرة، والحافلات، وتوسعات المترو المصممة للعمل بدون سائق منذ البداية. كما فتحت الإمارة سماءها لهذه الفكرة، داعمةً تجارب التاكسي الجوي كامتداد للمنطق ذاته: نقل الأشخاص دون الحاجة إلى تدخل بشري في أجهزة التحكم.

وما يستحق الانتباه هنا ليس التكنولوجيا بحد ذاتها، حيث تتواجد السيارات ذاتية القيادة ضمن أساطيل اختبار في دول عدة. بل إن الأمر يكمن في الاستعداد لوضع ركاب عاديين يدفعون ثمن الرحلة داخل هذه السيارات على الطرق العامة، وقبل الإطلاق الشامل على مستوى البلاد، بدلاً من حصر التجربة في مسارات مغلقة. يعكس هذا الخيار مدى الرغبة في تقبل المخاطر المنظورة في مقابل الريادة والسبق.

المكتب الحكومي الذي يتسع في الجيب

أما النصف الثاني من القصة فهو أقل دراماتيكية ولكنه ربما يصل إلى عدد أكبر من الناس. فقد أمضت حكومة الإمارات سنوات في ضغط المهام البيروقراطية، كتجديد الرخص، وطلبات التأشيرات، وتسجيل المركبات، لتصبح مجرد تفاعل عبر الهاتف يستغرق دقائق معدودة. كما تتيح بوابات التعرف على الوجه في المطارات للمسافرين المرور عبر مراقبة الجوازات دون الحاجة إلى تقديم أي مستند. وباتت هوية رقمية واحدة الآن تفتح الأبواب أمام العشرات من الخدمات الحكومية والخاصة التي كانت تتطلب في الماضي زيارة شخصية وحزمة من الأوراق.

وقد صرحت حكومة دبي، وفقاً لبياناتها الخاصة، أنه تم التخلص من المعاملات الورقية الداخلية في خدماتها العامة بالكامل، وهو ادعاء كان سيبدو غير قابل للتصديق قبل عقد من الزمان من إدارة بُنيت على الملفات المختومة وطوابير الانتظار الشخصية. وبناءً على تلك القاعدة الرقمية، تتولى أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم حصة متزايدة من التفاعلات الحكومية الروتينية، فتجيب على استفسارات المقيمين، وتحدد الأخطاء في المستندات قبل تقديمها، وتوجه الطلبات دون الحاجة إلى موظف بشري يقرأ كل ملف. كما كانت الإمارات العربية المتحدة أول دولة تعين وزيراً يحمل مصطلح "الذكاء الاصطناعي" صراحةً في مسماه الوظيفي، في خطوة رمزية تحولت إلى هيكل سياسي دائم بدلاً من مجرد مبادرة عابرة.

دافع واحد، وتجربتان

قد تبدو سيارات الأجرة الآلية والمكاتب الحكومية اللاورقية وكأنها مشاريع لا صلة بينها؛ فالأول يتعلق بالأجهزة وحركة المرور، والثاني بالبرمجيات والنماذج. إلا أنهما يشتركان في دافع واحد: إزالة العنصر البشري الذي كان يُفترض أنه ضروري، ورؤية ما سيحدث. فقد كان يُفترض لعدة عقود أن السائق ضروري، وأن موظف الاستقبال ضروري أيضاً. واليوم، يتم اختبار كلا الافتراضين علناً، مع مستخدمين حقيقيين، وليس في مختبرات مغلقة.

ويمتد هذا النمط إلى ما هو أبعد من وسائل النقل والمعاملات الورقية. إذ تطال مبادرات المدن الذكية في جميع أنحاء الإمارات العربية المتحدة فواتير الخدمات، والتسجيل في المدارس، وحجز المواعيد الطبية، وحتى أجزاء من النظام القضائي، حيث تمر بعض الملفات الروتينية اليوم عبر محاكم رقمية. القاسم المشترك هنا هو الرهان على أن العائق الحقيقي كان يكمن في التعقيدات، وليس في القدرات. فبمجرد إمكانية وصف أي مهمة كمجموعة واضحة من الخطوات، تبدو المدينة مستعدة لاختبار ما إذا كان بإمكان آلة أو خوارزمية تنفيذ تلك الخطوات بشكل أسرع من الإنسان.

ما نشهده في الواقع

إن التفصيل الذي يستحق التوقف عنده ليس أي برنامج تجريبي بحد ذاته، بل تسلسل الأحداث. فمعظم المدن تعلن عن رؤية لمدينة ذكية وتقوم بهدوء بتأجيل الأجزاء الأكثر صعوبة، تلك التي تنطوي على مخاطر مادية أو مسؤوليات قانونية، مع التركيز أولاً على إصدار التحديثات البرمجية الآمنة. بينما قامت الإمارات العربية المتحدة بعكس ذلك في أكثر من حالة، حيث وضعت التجربة الأكثر خطورة من الناحية المادية، وهي سيارة بلا سائق تقل شخصاً غريباً يدفع مقابل الخدمة، على الطرق العامة قبل أن تتم تسوية كل الأسئلة التنظيمية بشكل كامل في أي مكان آخر من العالم.

وما إذا كان هذا التسلسل سيصبح النموذج الذي ستنسخه مدن أخرى في النهاية، أم سيظل مجرد حالة دراسية تستدعي الحذر، يبقى سؤالاً مفتوحاً. لكن ما لا شك فيه هو أن هذا التوجه قد غيّر بالفعل الحياة اليومية لأشخاص لم يفكروا يوماً في أنهم يعيشون داخل برنامج تجريبي. إنهم يلاحظون فقط أن طابور الانتظار أصبح أقصر، أو أن المقعد المجاور لهم في سيارة الأجرة فارغ.

الأسئلة الشائعة

هل يمكن للجمهور فعلياً حجز سيارة أجرة ذاتية القيادة في الإمارات العربية المتحدة اليوم، أم أنها لا تزال مجرد تجربة مغلقة؟ نعم، في أجزاء من أبوظبي. يمكن للمقيمين والزوار طلب مركبة ذاتية القيادة عبر تطبيق قياسي لطلب السيارات في مناطق محددة وممسوحة جغرافياً. لم تتوفر هذه الخدمة بعد في جميع أنحاء المدينة، ولا يزال هناك مراقب للسلامة يرافق العديد من الرحلات، لكنها تعمل كخدمة استهلاكية حقيقية وليس كاختبار داخلي.

هل يُعد ركوب إحدى هذه المركبات آمناً في الوقت الحالي؟ لقد وافقت الجهات التنظيمية على التجارب الحالية على الطرق العامة، والتي تتضمن مناطق تشغيل محددة، ومسارات خاضعة للمراقبة، وفي كثير من الحالات وجود عنصر بشري للسلامة على متن المركبة كإجراء احتياطي. وتقع هذه التجربة في مرتبة وسط بين الإطلاق التجاري الشامل ومسار الاختبار المغلق، مع دمج الرقابة في صميم العمل بدلاً من إزالتها.

ما نوع المهام الحكومية التي يمكن إنجازها فعلياً دون الحاجة لزيارة مكتب؟ يمكن إنجاز جزء كبير من المعاملات الروتينية، وتجديد الرخص، وطلبات التصاريح، والمعاملات الورقية الخاصة بالمركبات، والتحقق من الهوية من خلال هاتف ذكي باستخدام هوية رقمية موحدة. تعمل العديد من هذه العمليات اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي الذي يتولى فحص المستندات وتوجيهها.

هل هذا يعني أنه يتم استبدال الموظفين الحكوميين بأنظمة الذكاء الاصطناعي؟ ليس تماماً. تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي للتعامل مع الخطوات المتكررة القائمة على القواعد، والتحقق من صحة المستندات، وتوجيه الطلبات، والإجابة على الأسئلة الشائعة، مما يفرغ الموظفين للتعامل مع الأجزاء التي تتطلب تقييماً بشرياً في أي حالة. ولا تزال المسائل المعقدة أو المتنازع عليها تتطلب تدخلاً بشرياً.

كيف يُقارن نهج الإمارات العربية المتحدة بما تفعله المدن الكبرى الأخرى؟ تُجري عدة مدن عالمية تجارب على المركبات ذاتية القيادة ومنصات الحكومات الرقمية كتجارب منفصلة، وغالباً ما تكون على نطاق أصغر. وما يميّز نهج الإمارات العربية المتحدة هو السرعة التي تنتقل بها التجارب من الاختبار المغلق إلى الاستخدام الجماهيري، بالإضافة إلى التنسيق الوثيق بين هيئات النقل والوكالات الحكومية الرقمية التي تسعى لتحقيق نفس الهدف الأساسي.

إلى أين يتجه هذا الأمر بعد ذلك؟ تشير البيانات العامة الصادرة عن هيئات النقل والجهات الحكومية إلى تغطية جغرافية أوسع للنقل الذاتي، ودمج أعمق للذكاء الاصطناعي عبر الخدمات العامة، فضلاً عن التوسع في مجالات ذات صلة مثل التنقل الجوي. وتوحي وتيرة العمل بأن التجارب الحالية تُعتبر مجرد نقطة انطلاق وليست نموذجاً نهائياً.

ماذا تكشف سيارات الأجرة ذاتية القيادة والمكاتب الحكومية اللاورقية عن رهان دبي على المدينة الذكية

ابق على اطلاع

موجز العقارات في الإمارات

معلومات السوق الأسبوعية: الإطلاقات الجديدة، تطورات المناطق، والتغيرات التنظيمية. برعاية فريق uae-prop.

اطلب معاودة الاتصال